فخر الدين الرازي
262
الأربعين في أصول الدين
الخامسة : انكم اما أن تدعوا بأن نصب الإمام لطف في الشرعيات ، أو في العقليات . فإن كان الأول بطل قولكم ، لأن خلو الزمان عن التكاليف الشرعية جائز . فالامام الّذي هو لطف فيه ، أولى أن يجوز خلو الزمان عنه . وان كان الثاني فنقول : اما أن تدعو أن الامام لطف في ادخال تلك الواجبات العقلية في الوجود ، سواء كان ادخالها في الوجود لأجل وجود وجوبها ، أو لهذا الوجه . واما أن تقولوا بأن الامام لطف في أن يدخلها المكلف في الوجود ، لأجل وجه وجوبها . والأول باطل . لأن ادخالها في الوجود ، لا لأجل وجه وجوبها لا عبرة به البتة ، فلم يبق لكم الا أن تدعو أن الامام لطف في أن يدخل المكلف الواجبات العقلية في الوجود ، لأجل وجه وجوبها . وهذا مما لا يمكنكم أن تذكروا في تقريره شيئا . وذلك لأن ادخال الفعل في الوجود لأجل وجه وجوبه ، عبارة عن كيفية من كيفيات الدواعي القائمة بالقلوب . ومن أين يمكن اثبات أن نصب الإمام أبدا ، له أثر في هذه الكيفيات ؟ بل لو قيل : ان الأمر بالعكس ، لكان أولى . لأن الممنوع متبوع . فإذا صارا الانسان محمولا على فعل من الأفعال بالتخويف ، صار متنفرا عنه . وإذا صار ممنوعا عن شيء ، صار راغبا فيه . فثبت : أن هذه التمويهات التي يذكرها هؤلاء الاثنا عشرية ، تمويهات محضة . وأنه متى بحث عن محل الخلاف على التعيين ، لا يمكنهم أن يذكروا في تقرير مذهبهم بعد التلخيص : خيالا . فضلا عن حجة . السادسة : ان عند حصول هذا اللطف المقرب اما أن يعلم الله تعالى بأنه حصل ما يمنع عن الفعل أو يعلم أنه لم يحصل هذا المانع البتة . فإن كان الأول . فلا نسلم أنه يجب في العقول فعل مثل هذا اللطف ، لأنه إذا كان بتقدير وجوده ، لا يحصل الفعل ، كما أن بتقدير عدمه أيضا لا يحصل : لم يكن فعل مثل هذا اللطف واجبا بل العقل يوجب الامتناع منه . لأنه لا فائدة في فعله البتة . وان كان